التطور الصناعي في المملكة

​​​

دور الصناعة في النمو الاقتصادي

أسهمت الصناعة منذ الثورة الصناعية الأولى وبشكل كبير في التطور الهائل الذي شهده الاقتصاد العالمي، حيث كانت الصناعة مركز التحول الهيكلي في الاقتصاد، وسببًا مباشرًا في زيادة حجم الإنتاج وفرص العمل وتطور التقنية، الأمر الذي ساهم في تحقيق زيادة النمو الاقتصادي وثروات الأمم بصورة غير مسبوقة.

وتشكل المنتجات الصناعية حاليًا نحو (71 %) من حجم التجارة الدولية في السلع، وقد تضاعف حجم الصادرات الصناعية العالمية أكثر من ثلاث مرات منذ مطلع العقد الماضي، حيث ارتفعت من (4٫7 (تريليون دولار في عام 2000 م إلى حوالي (11٫3 (تريليون دولار عام 2016 م.

وقد حولت المملكة العربية السعودية تركيزها إلى قطاعات أخرى غير النفط بسبب التقلبات الكبيرة في أسعار النفط التي أدت إلى التفاوت في الإيرادات، بالتالي القدرة على تحقيق التنمية المستدامة. حيث تحتاج المملكة إلى الطاقة المستدامة وإلى استكشاف قطاعات جديدة لتحقيق النمو في المستقبل، والذي يتوقع أن يعتمد على الطلب على المعدات الصناعية والدفاعية والطاقة المتجددة والبنية التحتية لصناعة التعدين. بالإضافة إلى ذلك فإن المملكة بحاجة إلى توفير الكثير من فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل، ولأولئك الذين هم على وشك الدخول لهذه السوق. لذا فإن الأنشطة التنموية كالصناعة تعتبر مطلبًا أساسيًا لتحقيق الازدهار الاقتصادي.

وتشكل الصناعة حاليًا ما يقارب (12 %) من الناتج المحلي الإجمالي، وتقضى توجهات رؤية 2030 برفع مساهمتها إلى مستويات أعلى مع التركيز على التحول نحو الصناعات عالية التقنية وصولً إلى مستوى الثورة الصناعية الرابعة. لذا تحتاج المشاريع القائمة والجديدة إلى رفع كفاءتها وفعاليتها باستمرار من خال استخدام الآلات والتقنيات الحديثة والعمل على تطويرها، وهذا بدوره سيؤدي إلى تنمية القاعدة الصناعية في المملكة وإلى تمكين الصناعة من لعب دورها المحوري في النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

الصناعة والنمو: دليل عالمي

أشار تقرير اللجنة رفيعة المستوى المعنية بالنمو والتنمية، التابعة للبنك الدولي، عن استراتيجيات النمو المستدام والتنمية الشاملة، إلى وجود سمات مشتركة بين البلدان التي حققت فترة طويلة من النمو المستدام، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وتُعرّف هذه الفترة بأنها واحدة من فترات النمو المتواصل في حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بما يزيد على (7%) سنويًا لمدة لا تقل عن 25 عامًا. وكانت عشر من أصل ثلاث عشرة قصة نجاح لدول حققت فترة طويلة من النمو المستدام، هي حالات النمو القائم على الصناعة ومن أبرز هذه الدول اليابان وكوريا والصين.

لم تحقق هذه البلدان هذا النمو السريع في الصناعة عن طريق المصادفة ولكن من خال السياسات التي تبنتها لتوجيه القطاع الخاص لرفع مستوى وتنوع المنتجات المصنعة بشكل سريع. وشملت هذه السياسات تقديم الدعم الازم له من خال حمايته من المنافسة الأجنبية في السوق المحلية، ومنحه حوافز للتصدير، وتوفير أشكال متعددة من التمويل بشروط ميسرة. إضافة إلى القرارات المرتبطة بأسعار الفائدة وسعر الصرف والسياسات المتعلقة بتخصيص رأس المال والبنية التحتية وتنمية مهارات الأفراد، وهذه السياسات جميعها تستهدف تعزيز النمو السريع للقطاع الصناعي.

ويتمتع القطاع الصناعي بميزة فريدة​ وهي القدرة على توليد (عوائد ديناميكية متنامية). بعبارة أخرى، التصنيع ليس لديه القدرة فحسب على زيادة الإنتاج بنسبة أكثر من الزيادة في المدخلات (أي زيادة العوائد إلى الحجم) ولكن كلما كان معدل نمو الإنتاج الصناعي أسرع، تسارعت وتيرة نمو الإنتاجية في الصناعة وعلى نطاق الاقتصاد بوجه عام وبالتالي تحقيق عوائد ديناميكية متنامية.

وأكدت العديد من الدراسات التي طبقت على مجموعة من البلدان النامية وجود علاقة إيجابية بين النمو الصناعي ونمو الناتج المحلي الإجمالي، على عكس القطاعات الأولية وقطاع الخدمات. ويعني هذا أن الصناعة هي المحرك الأساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي وخلق الفرص الوظيفية بينما يعتمد نمو القطاعات الأخرى، لا سيما العديد من قطاعات الخدمات، على الطلب المتزايد المستمد (والناتج عن) زيادة الناتج المحلي الإجمالي. ولذا، فإن النمو والفرص الوظيفية في معظم القطاعات الأولية وقطاع الخدمات لا تقود النمو في الناتج المحلي الإجمالي بل هي في الواقع تابعة له.

 

الصناعة في المملكة:

يعتمد الاقتصاد السعودي وبشكل كبير على النفط، حيث يشكل (72 %) من الإيرادات الحكومية، وتشكل الصادرات النفطية (75 %) من إجمالي الصادرات، كما يساهم القطاع بنسبة (43 %) من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الاعتماد الكبير الطاقة، دعت المملكة للتفكير في تعزيز دور القطاعات الأخرى المولدة للدخل، وعلى رأسها القطاع الصناعي الذي يتمتع بإمكانات كبيرة لتعزيز النمو الاقتصادي الشامل بفضل تشابكاته الاقتصادية مع معظم الأنشطة الاقتصادية.

وقد نما حجم القطاع الصناعي في المملكة من مستوى 32 مليار ريال عام 1974 م إلى حوالي 312 مليار في عام 2017 م. وشهد القطاع تحولً هيكليا واضحًا خلال هذه الفترة، حيث تطورت مساهمة الصناعات التحويلية (غير التكريرية) في الناتج الصناعي وبشكل متزايد من (32 %) عام 1974 م لتشكل حوالي (69 %) من حجم الناتج الصناعي في 2017 م، وبلغ معدل النمو السنوي لهذه الصناعات طوال هذه الفترة حوالي (%8.4)، وهو يعد من أعلى معدلات النمو بين كافة الأنشطة الاقتصادية.



كما بلغ معدل النمو السنوي للصادرات الصناعية غير النفطية (15 %) خال الفترة من 1984 إلى 2016 م، وزادت مساهمتها إلى إجمالي الصادرات من (1.4 %) إلى حوالي (21 %) خلال نفس الفترة، وذلك رغم النمو الكبير في حجم الصادرات النفطية. وتحتل المملكة اليوم المرتبة 37 عالميًا في مؤشر التنافسية الصناعية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، اليونيدو، والمرتبة الثامنة ضمن الاقتصادات الصناعية الناشئة.

لكن هذه التطورات رغم أهميتها لا تزال دون مستوى الطموحات، ودون مستوى الإمكانات المتاحة لنمو القطاع الصناعي في المملكة. الأمر الذي تم أخذه بالحسبان في رؤية 2030 والتي تهدف لدفع القطاع الصناعي لمستويات أعلى.

​دفع التصنيع

تتأثر قدرة التصنيع في الدول بحسب عوامل إنتاجها (نوعية العمالة ومواردها الطبيعية وتكلفة الطاقة والنقل وتوفر رأس المال). ويعتمد التصنيع على فهم توجهات الطلب والقدرة الإنتاجية، كما أن التقييم الواقعي لنقاط قوة الدولة ونقاط الضعف التي ينبغي التغلب عليها أمر ضروري. وفي حالة المملكة العربية السعودية، استمر الدخل بالارتفاع طوال العقد المنصرم إلا أن العمالة الوطنية منخفضة التكلفة ليست متوفرة، لذا يتعين على الصناعة في المملكة أن تتحول من الصناعات المعتمدة على العمالة إلى الصناعات التي تعتمد على رأس المال والتقنية، وهذه الصناعات في نهاية المطاف هي الصناعات التي تعتمد على البحث والتطوير.

وتعتمد استمرارية التنافسية الصناعية على الابتكار، الذي يُعد أهم العوامل المساهمة في نمو إنتاجية أي اقتصاد. وتركز سياسات تشجيع الابتكار الحكومية الفعالة عادة على النتائج والأداء. وهناك العديد من الطرق لدعم الابتكار منها تمويل البحوث والابتكارات في مجال الروبوتات والمواد، وهذه الابتكارات بدورها تخلق أسواقًا جديدة. كما يمكن أن يشمل التشجيع الحكومي ضمان ربط نتائج هذه الأبحاث والابتكارات مع الشركات القادرة على تسويقها كمنتجات.

من ناحية أخرى يستدعي الأمر أن تعمل الحكومة مع قطاع الصناعة والمؤسسات التعليمية للتأكد من أن المهارات المكتسبة في المؤسسات التعليمية تتناسب مع احتياجات سوق العمل، ولتجهيز الشباب للدخول في وظائف التصنيع. ومن ذلك تطوير برامج تدريب محددة يتم من خلالها الحصول على شهادات تلبي احتياجات الصناعة في المملكة وعلى مختلف المستويات. ومن الأهمية بمكان تجنب مواجهة قوى السوق بدعم الأجور، بل يجب التركيز بدلً من ذلك على تطوير البنية التحتية والفنية المتقدمة للتدريب لصقل مهارات الشباب، التي تمكنهم من الارتقاء والمنافسة على وظائف ذات دخل ومهارات أعلى، بالإضافة إلى بناء الشبكات التي يسهل من خلالها ربط طالبي العمل بأصحاب العمل.

وفي سياق آخر تعد معرفة اقتصاديات الصناعات ذات الاستهلاك العالي للطاقة أمرًا بالغ الأهمية لتحديد خيارات السياسة الصناعية الصحيحة. وفي نفس الوقت يتعين على الشركات الصناعية التي يرتفع فيها استهلاك الطاقة، العمل على خفض استهلاك الطاقة لكل وحدة إنتاج، وتقليص حصة تكلفة الطاقة إلى إجمالي التكلفة. وتعتبر سياسة تشجيع ترشيد استهلاك الطاقة من السياسات الفعالة على مستوى الاقتصاد ككل، حتى وإن شكلت تحديًا لبعض المنتجين. كما هو الحال في كاليفورنيا التي تسببت لوائحها الصارمة لاستهلاك الطاقة ورفع أسعار الكهرباء إلى رفع تكاليف التصنيع، إلا أن سياسات توفير الطاقة تلك كانت بمثابة نعمة على اقتصاد الولاية بشكل عام، من خال توفير المزيد من فرص العمل وزيادة الدخل المتاح.

ويتطلب تحقيق التنمية الصناعية التزامًا قويًا من قبل الدولة لتحقيق أهدافها التي رسمت بعناية من خال الاستراتيجية الصناعية. ومن الأهمية بمكان تبني القطاع الخاص لهذه الأهداف، حيث إن تأييد القطاع الخاص لهذه الأهداف سوف يسهل تقبل السياسات الرامية لتحقيقها. هذا التكامل بين الدورين الحكومي والخاص سيساعد القطاع الصناعي على النمو وزيادة مساهمته في القيمة المضافة ونمو الصادرات وخلق فرص العمل، وسيظل مصدرًا هامًا للأعمال التجارية المبتكرة، وللنمو الاقتصادي الشامل والمستدام.

التقنية والتصنيع

التغيير هو السمة الثابتة الجديدة، والاقتصاد العالمي يتطور بشكل مستمر، كذلك يجب على المملكة مواكبة التطورات الجديدة. والفروقات في مستوى التقنية مسؤولة عن الاختلاف في المزايا النسبية بين الدول، ويفسر ذلك توجه أنشطة التصنيع في الدول المتقدمة لاستقطاب العمالة الماهرة. في حين تميل الدول النامية الأقل تقدما من الناحية التقنية إلى إنتاج السلع الأقل اعتمادًا على المهارة، وبالتالي، فإن إدخال التقنية الحديثة إلى هذه الدول سيخلق فرص عمل أكثر للقوى العاملة الأعلى مهارة.

 

من الجوانب المهمة على المدى القريب أن تستقطب المملكة العمالة عالية المهارة إليها، وأن يتم الاعتماد على الأتمتة كوسيلة للحد من الاعتماد على العمالة الوافدة الأقل مهارة، وبهذه الطريقة، تتمكن من تحويل نمط قطاعها الصناعي إلى الاعتماد على التقنيات المتطورة التي تدار بواسطة العمالة عالية المهارة ذات الأجور المجزية، والتي ستكون بدورها جاذبة للشباب السعودي، كما حصل بالفعل في الصناعات النفطية وصناعة البتروكيماويات والتي تعد فيها نسبة السعودة من أعلى المعدلات.

العمالة عالية المهارة توجد حيث يتوفر رأس المال المعرفي، وباستيعابها لهذه المعرفة يزداد رصيد الباد مما يعرف بالرأسمال البشري، والذي يقاس بعدة أساليب، لكن أكثرها شيوعًا هو البحث والتطوير أو عدد براءات الاختراع الصادرة في بلد ما. ويستخدم نموذج رأس المال المعرفي على نطاق واسع لدراسة القرارات المتعلقة بتحديد الشركات متعددة الجنسيات للمواقع التي تستثمر بها على المستوى الجزئي، وهو ما يلقي بتأثيره على الاستثمار الأجنبي المباشر. كما يستخدم نموذج رأس المال المعرفي لتحديد الميزة النسبية لبلد ما في التجارة الدولية على المستوى الكلي من خال شرح سبب وجود ميل لدى الدول المتقدمة لإنتاج سلع كثيفة رأس المال (التقنية)، في حين أن الدول النامية تميل بشكل أكبر لإنتاج سلع تعتمد بشكل أكبر على العمالة.

التقنية جعلت عملية التصنيع أكثر اعتمادًا على رأس المال وأقل اعتمادًا على العمالة، لا سيما في الدول المتقدمة حيث ترتفع تكلفة العمالة. لذا تحتاج الشركات الصناعية إلى عدد أقل من العمالة في منطقة الإنتاج، لكنها تحتاج المزيد منهم في مجال خدمات البحث والتطوير لوسائل الإنتاج، وتطوير المنتجات وأبحاث السوق، والمبيعات والتسويق، وغيرها من المجالات. وفي مثل هذه البيئة نجد ان التدابير التقليدية للحفاظ على وظائف الإنتاج، مثل تقديم الدعم المباشر، لا تعالج الطريقة التي يتم بها خلق الوظائف من قبل قطاع الصناعات التحويلية. اليوم، يخلق قطاع الخدمات ثماني من أصل عشر وظائف جديدة. وتخلق مقابل كل وظيفة في القطاع الصناعي ثلاث إلى أربع وظائف في القطاعات الأخرى. وعليه فإن تطوير القطاع الصناعي يتطلب رفع مستوى القطاعات الخدمية المساندة له قبل وأثناء وبعد عملية الإنتاج. هذا التكامل سيوجد الأرضية المناسبة للنمو الاقتصادي، وسيخلق المزيد من فرص العمل المجزية والمستدامة.

تاريخيا، كان الابتكار في التصنيع أكبر مساهم في نمو الإنتاجية لاقتصاد الدول. وسوف تستمر الابتكارات التقنية في تغذية الإنتاجية والنمو في العقود القادمة. لذا على رواد قطاع الصناعات التحويلية أن يشرعوا في تطوير أتمتة عمليات الإنتاج، والتحول نحو الصناعات عالية التقنية للانتقال بمستوى منتجاتهم إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى. وهو الأمر الذي تؤكد عليه توجهات رؤية المملكة 2030، والاستراتيجية الصناعية.