صندوق التنمية الصناعية السعودي يستعرض في تقريره السنوي مستقبل صناعة السيارات في المملكة وأثرها على الاقتصاد المحلي

استعرض صندوق التنمية الصناعية السعودي في تقريره السنوي للعام المالي 1434/1435هـ (2013م) الوضع الاقتصادي للمملكة واستمرار نموه بمعدلات جيدة وذلك بتضافر السياستين المالية والنقدية ومواصلة الإصلاحات الهيكلية والتنظيمية. وكشف التقرير عن مؤشرات أداء القطاع الصناعي المحلي والنشاط الإقراضي للصندوق ودوره الحيوي في التنمية الصناعية في شتى مناطق المملكة من خلال تقديم القروض متوسطة وطويلة الأجل للمشاريع الصناعية ومنحها الاستشارات المالية والتسويقية والفنية. وتضمن التقرير استعراضاً لمستقبل صناعة السيارات في المملكة وأثرها على الاقتصاد المحلي، حيث تقوم الدولة بالعديد من المبادرات لتنويع قاعدة الاقتصاد الوطني ومصادر الدخل القومي.
ومن هذه المبادرات التوجه الحالي نحو صناعة السيارات حيث تبنتها المملكة في خطتها التنموية التاسعة (2010م-2014م) كأحد ركائز برنامج التجمعات الصناعية ، وذلك بهدف توطين هذه الصناعة كخيار استراتيجي لتنويع مصادر الدخل، وتطوير هيكل الصناعة المحلية ورفع إنتاجية الاقتصاد السعودي بعيداً عن تقلبات أسعار النفط العالمية، وللمساهمة في تلبية جزء من الطلب المحلي، وتقليص حجم الاستنزاف المالي الناتج من الاستيراد، إضافة إلى نقل التقنية وإيجاد فرص العمل للمواطنين بمستويات أجور جيدة، ورفع القيمة المضافة للناتج المحلي.
 
واستهل التقرير باستعراض العديد من مميزات قطاع صناعة السيارات، حيث تعتبر من أهم الصناعات الناقلة للتقنية والمعرفة، ومن أكبر الصناعات المعتمدة على البحث والتطوير مما يجعلها من الصناعات ذات الأثر الإيجابي الكبير على القطاعات الصناعية والعلمية المحيطة بها. كما تتميز صناعة السيارات باعتمادها على قاعدة عريضة جداً من المدخلات التي يمكن تلبيتها عبر عدد كبير من الصناعات الصغيرة والمتوسطة، كما أنها تستلزم وجود عدد كبير من المؤسسات الخدمية التي تسهم في ربطها بمنتجي المدخلات وفي تسويق منتجاتها وصيانتها. وهي تخلق حولها ما يعرف بالتجمعات الصناعية، والتي تسهم في تسهيل عملية التكامل بين المصانع، مما يؤدي إلى خفض التكاليف المرتبطة بعملية التصنيع وإلى رفع إنتاجية جميع المصانع العاملة في نفس الموقع، وذلك عبر عدة قنوات منها الانتقال السريع للمعرفة فيما بينها وتبادل الخبرات بين العاملين والعمل ضمن بنية تحتية متوائمة مع احتياجات هذه الصناعات. وتعد صناعة السيارات من أكثر الصناعات القادرة على توليد العديد من الاستثمارات وفرص العمل بمستويات أجور عالية مقارنة بالصناعات الأخرى، حيث أوضحت آخر الدراسات حول قطاع صناعة السيارات، بأن إيجاد فرصة عمل واحدة في خط الإنتاج يخلق على الأقل (5) فرص عمل في صناعة الأجزاء المكونة للسيارة وقطع غيارها. وتتميز صناعة السيارات بكونها صناعة ذات مضاعف اقتصادي عالي، حيث يؤدي التكامل الصناعي مع الصناعات الأخرى كصناعات (الطاقة والبتروكيماويات والصلب والألمنيوم) إلى رفع إجمالي القيمة المضافة لهذه العناصر إلى مستويات أعلى وهو ما ينعكس بدوره على الاقتصاد بشكلٍ عام.
 
وتأتي أهمية صناعة السيارات في المملكة للمساعدة في تنويع الهيكل الصناعي السعودي والذي يتسم بالتركيز على الصناعات الكيماوية حيث تشكل الاستثمارات فيها نحو 54% من مجمل الاستثمارات الصناعية، حيث يعاني هيكل الصناعة في المملكة والقطاع الخاص بشكل عام (باستثناء قطاع البتروكيماويات وبعض الصناعات الهندسية) من ضعفٍ في الإنتاجية نتيجة اعتماد معظم مؤسساته على تقنيات متدنية أو متوسطة المستوى. وتبعاً لمستوى الإنتاجية يأتي مستوى الأجور، لذلك نجد أن القطاع الخاص يواجه صعوبة في استقطاب الشباب السعودي الباحث عن فرص وظيفية.
 
وتحدث التقرير عن النظرة العالمية لقطاع صناعة السيارات، وبحسب تقرير التجارة العالمية 2013م الصادر عن منظمة التجارة العالمية استحوذت منتجات صناعة المركبات وحدها على 7% من إجمالي السلع المصدرة في العالم. وقد ظلت صناعة السيارات من القطاعات الأقوى نمواً والأكثر محافظة على نصيبها في إجمالي حجم التجارة العالمية.  فبالرغم من هبوط الإنتاج في عام 2009م جرّاء الأزمة العالمية ، عاودت صناعة السيارات انتعاشها حيث تم إنتاج ما يقارب 84.1 مليون سيارة في عام 2012م مع توقعات بنمو قدره 3% لعام 2013م. كما يوظف هذا القطاع حالياً حوالي 9 ملايين عامل حول العالم، أي ما يعادل 5% من إجمالي العمالة في مجال التصنيع في العالم. وتشير بيانات المنظمة الدولية لصانعي السيارات (OICA) إلى تزايد الطلب العالمي للمركبات بمعدل سنوي قدره 2.8% في الفترة ما بين 2005م -2012م، مقابل زيادة في الإنتاج العالمي للمركبات بنسبة 3% لنفس الفترة.
 
الطلب والإنتاج العالمي للمركبات حسب المناطق الجغرافية في عام 2012م
 المصدر: المنظمة الدولية لصانعي السيارات OICA
 
وأشار التقرير - طبقاً لأرقام مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات - أن المملكة استوردت في المتوسط حوالي 679 ألف مركبة سنوياً في الفترة ما بين 2005م-2012م وبمعدل نمو سنوي قدره 9.5%، وقد حقق استيراد المركبات رقماً مرتفعاً في عام 2012م حيث بلغ حوالي 981 ألف مركبة بقيمة تصل إلى 77 مليار ريال، أي ما يعادل 13% من إجمالي واردات المملكة في ذلك العام، وهو ما يجعل المملكة أكبر سوق استهلاكي للسيارات في الشرق الأوسط. ومما يعزز الثقة في استمرار معدلات نمو الطلب المرتفعة على السيارات في المملكة، النمو السكاني الكبير والذي يبلغ 3.7% سنوياً وهو أعلى من المتوسطات العالمية، وكذلك القوة الشرائية الكبيرة، بالإضافة إلى التركيبة الشابة للمجتمع السعودي والذي تشكل فيه فئة الشباب البالغة أعمارهم من 15-24 ما نسبته 21% من إجمالي السكان. أما فيما يخص الطلب الإقليمي، فإن مبيعات السيارات في منطقة الشرق الأوسط تنمو بمعدل 5.7%، وتتمتع هذه الدول أيضاً بمعدل نمو سكاني مرتفع يصل إلى 2.3%. وتعتبر المملكة حالياً مركز إعادة تصدير رئيسي للسيارات وقطع الغيار في المنطقة، ويساعدها في ذلك موقعها الجغرافي المتميز. وقد بلغت قيمة إعادة التصدير للسيارات وقطع الغيار لعام 2012م حوالي 6 مليار ريال، وبمعدل نمو سنوي قدره 13% للفترة 2005م-2012م، وهو ما يشكل نواة لدخول منتجات صناعة السيارات السعودية لهذه الأسواق.
 
حجم وقيمة واردات السيارات للمملكة (2005م – 2012م)
المصدر: مصلحة الاحصاءات العامة والمعلومات
 
ومن جانب مهم آخر أوضح التقرير تميز المملكة بقاعدة صناعية وبنية تحتية أكثر تطوراً من الدول المحيطة بها، وهو ما يعتبر حافزاً مهماً لقيام صناعة السيارات في المملكة. بالإضافة الى تجارب المملكة في مجال صناعة المركبات وأجزائها مثل صناعة تجميع الحافلات وسيارات الإطفاء والإسعاف وعربات النظافة الهيدروليكية، والعديد من أجزاء وقطع غيار السيارات مثل صناعة الهياكل المعدنية للسيارات، وصندوق التروس، وفلاتر السيارات، والراديترات، والعوادم، والإطارات، والبطاريات، وزجاج السيارات وقطع الغيار الأخرى. وبحسب بيانات وزارة التجارة والصناعة يوجد في المملكة حالياً أكثر من 251 مصنعاً عاملاً في مجال تجميع المركبات والصناعات الداعمة لها باستثمارات تبلغ نحو 7 مليار ريال. وتوفر هذه المصانع فرص عمل لحوالي 27 ألف عامل. وفي ذات السياق يبلغ عدد المشاريع العاملة في مجال صناعة المركبات وأجزائها والمقترضة من صندوق التنمية الصناعية السعودي بنهاية عام 2012م ما يقارب 65 مشروعاً بحجم تمويل يبلغ نحو 1.5 مليار ريال.   
 
كما يتوفر لدى المملكة موارد هائلة من المواد الخام والمواد الأساسية التي تساعد على قيام الصناعات الداعمة لصناعة السيارات، بالإضافة إلى توافر الطاقة وبأسعار مناسبة، فالفرص مهيأة لقيام عدد من الصناعات القادرة على توفير المدخلات اللازمة لنجاح هذه الصناعة. وفي هذا السياق تعد الشركة السعودية للصناعات الأساسية "سابك" من أهم الرواد في هذا المجال، حيث توفر الشركة حالياً عدداً من المنتجات البلاستيكية والمواد الخام الداخلة في صناعة السيارات بشكل مباشر. كما تعتزم الشركة القيام بإنشاء وحدات تابعة لها بغرض إنتاج مواد أخرى إضافية كالمطاط الصناعي والذي يشتق منه عدد من المنتجات كالإطارات والخراطيم المطاطية إضافةً إلى صناعة الحديد، وجميعها تعتبر صناعات أساسية لصناعة السيارات. كما أن المشروع المشترك بين شركة التعدين العربية "معادن" و"ألكوا" والذي يعد واحداً من أكبر مشاريع صناعة الألمنيوم في العالم من شأنه أن يضع المملكة على خارطة صناعة السيارات كونه مدخلاً أساسياً ذا مستقبل واعد بحسب الرؤية الحديثة لصناعة السيارات والتي تعتمد على أجزاء أكثر خفة ومتانة من المعادن المستخدمة في صناعة السيارات.
 
ولم يغفل التقرير عن الإشارة إلى أبرز العوائق أمام قيام هذه الصناعة في العديد من الدول، حيث يعتبر عدم توفر الموارد المالية طويلة الأجل للصناعات ذات الكثافة الرأس مالية، مثل صناعة السيارات، أحد هذه العوائق، إلا أن الاقتصاد السعودي يحظى بوفرة من الموارد المالية التي تساعده على تجاوز هذه العقبة. ويعد الدعم الحكومي وتقديم مبادرات جريئة للحوافز لإنشاء هذه الصناعة في المملكة عاملاً مهماً لنجاحها والذي يشمل الدعم المالي وتوفير البنية التحتية المناسبة واستقطاب شركاء عالمين ذوي خبرة وسمعة كبيرة في هذا المجال وتقديم الحوافز المغرية لهم وتهيئة مراكز البحث والتطوير ورفع مستوى تأهيل الموارد البشرية. ويشكل الإنفاق الضخم من قبل الدولة على مشاريع تحسين وتطوير البنية التحتية وما يتبع ذلك من زيادة في الطلب على معدات النقل وأجزائها، عاملاً مهماً في جذب استثمارات صناعة السيارات للمملكة.
 
وعلى الرغم من وجود العديد من الفرص والمحفزات لقيام صناعة السيارات إلا أنها تواجه العديد من التحديات والتي لا تخلو منها أي صناعة، حيث يعتبر حجم السوق المحلي محدوداً مقارنــة بأسـواق التصديـر العالمية، ويمكن تخطي هذه العقبة بالدخول التدريجي في هذه الصناعة عبر استهداف شريحة أو نوعية من المركبات لإنتاجها من خلال منتجي السيارات العالمية المميزين، حيث تعد الفوائد المترتبة على صناعة السيارات محل اهتمام الكثير من الدول التي تسعى لتوطينها عبر استقطاب الشركات العالمية بمختلف المحفزات. وفي ظل المنافسة العالمية القوية وقوانين منظمة التجارة العالمية واعتبارات الجودة، فإن المصانع حديثة النشأة قد لا تتمكن من تحقيق عوائد مجزية تمكنها من النمو والاستمرار. لذا فإن ضمان توفير سقف أعلى من المحفزات عن تلك المقدمة في الدول الأخرى، يشكل عاملاً مهماً في إمكانية نجاح واستمرارية صناعة السيارات في المملكة. وبالرغم من التطور الكبير في استخدام التقنية الحديثة لأغراض استهلاكية في المملكة، إلا أن المستوى التقني للصناعات المحلية حالياً لا يعد عامل جذب قوي بالمقارنة مع الدول المتقدمة في هذه الصناعة، وهذا يستلزم العمل على تقديم الدعم اللازم لإنشاء مراكز البحث العلمي المتخصصة في هذه الصناعة والصناعات الداعمة لها في المملكة. وقد يكون التطور النسبي للبنية التحتية في المملكة مقارنة بدول المنطقة عامل تفضيل لها، إلا أنها تظل بحاجة لتطوير أكثر لتضاهي المستويات العالمية المتقدمة، فمثلاً الحاجة إلى تطوير شبكة النقل المحلية، وتطوير كفاءة خدمات الموانئ والكهرباء والاتصالات والبريد وغيرها من الخدمات بما يؤدي إلى تخفيض التكلفة الإجمالية لصناعة السيارات. وأي تباطؤ أو تراجع في قيام المشاريع الداعمة لهذه الصناعة كصناعة الألمنيوم والبتروكيماويات أو البنى التحتية قد يؤثر سلباً على فرص نجاح هذه الصناعة في المملكة. كما أن نجاح هذه الصناعة يعتمد بشكل كبير على استمرارية ونجاح المبادرات التعليمية الأخيرة التي تبنتها المملكة لتطوير مستوى مخرجات التعليم، خصوصاً في التخصصات العلمية والهندسية والمهنية، إضافة إلى ضرورة تشجيع إنشاء مراكز التدريب المتخصصة بالتعاون مع الشركات العالمية المصنعة للسيارات، إذ أن الكثير من المصانع القائمة حالياً التي تغذي صناعة السيارات تحتاج إلى تطوير من حيث الإمكانيات والتقنية والجودة وذلك لرفع قدرتها على المنافسة. كما أن توفر القطع المستوردة بأسعار أقل وجودة أعلى يؤدي إلى عدم حرص المشاريع الصناعية على التعامل مع الصناعات المغذية المحلية.
 
وأختتم التقرير بأن عوامل الجذب المتوفرة حالياً لنجاح صناعة السيارات في المملكة عديدة وجيدة، وهذه العوامل مجتمعة تبعث على التفاؤل بنجاح صناعة السيارات في المملكة، لكن التحديات كبيرة. ولنا في تاريخ صناعة البتروكيماويات في المملكة خير مثال، فقد كانت تجربة صناعة البتروكيماويات محفوفة بالمخاطر والتحديات في بداياتها، لكن الإرادة والإدارة الناجحة للهيئة الملكية للجبيل وينبع والتي قامت بالتدرج في بناء هذه الصناعة، نقلت المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة فيها. لذا فإنه من المهم جداً إيجاد جهة مختصة بتوطين صناعة السيارات في المملكة، تكون مشتركة بين القطاعين العام والخاص، تقوم أولاً على تهيئة مكونات البنية التحتية الأساسية لهذه الصناعة، ووضع خطط ذات مهام وأهداف واضحة المعالم للأجهزة المعنية بقيام هذه الصناعة، بحيث يمكن قياسها ومتابعتها، والأهم من ذلك كله أن تكون الأهداف واقعية وقابلة للتطبيق. وأخيراً فإن الخبرة العملية وتجربة توطين صناعة البتروكيماويات في المملكة تمنح التفاؤل بقدرة الاقتصاد السعودي على تكرار التجربة  في صناعة السيارات.

اضف تعليق